محمود توفيق محمد سعد
167
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
الّذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك . . . فهم المستحقون للأنفال ، وليس لهم إليها التفات ، وإنّما همهم العبادة والذين عندك إنّما جعلتهم آلة ظاهرة ، ومع ذلك ، فهم يسألون ( عن الأنفال ) التي توليتهم إيّاها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعاذة باللّه منها - كما نبّه عليه آخر الأعراف - لأنّ ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداء " « 1 » أنت تراه لا يقف في الربط عند الآية الأخيرة من السورة السابقة بل ينظر إلى المقطع الخاتم ، فليس الاعتداد بآخر جملة من السورة بل بالجملة التي هي أم الختم وإن جاء من بعدها جمل عديدة . وتراه أيضا يلاحظ علاقة ضمير الفاعل في ( يسألونك ) ولم يسبق له مرجع بالمسند إليه ( اسم الموصول ) في الجملة الأخيرة من سورة الأعراف ( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) وما بين حالي المتحدث عنهما في كلّ من التقابل والتباين والاختلاف . وهو قد يمد تدبره علاقة مطلع السورة بسورة من قبلها غير قاصر لها على السورة التي سبقتها مباشرة على نحو ما تراه فاعلا في سورة " يونس " قائلا : " لمّا قدّم في أوّل الأعراف الحثّ على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأوليين ومصارع الماضيين ، وما استتبع ذلك من توصيل القول في ترجمة هذا النبيّ الكريم عليه السّلام مع قومه في أوامره وأثنائه وآخره في سورتي " الأنفال " و " براءة " وختم ذلك بأنّ سور الكتاب تزيد كلّ أحد مما هو ملائم له متهيئ لقبوله وتبعده عمّا هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته ، أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بذلك قد حوى من الأوصاف والحلى والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه ، والإخبار بأنّ توليه عنه لا يضرّه شيئا ؛ لأنّ ربّه سبحانه وتعالى كافيه ؛ ولأنّه لا مثل له ، وأنّه ذو العرش العظيم لما كان ذلك كذلك أعاد سبحانه وتعالى القول في شأن الكتاب الذي افتتح به " الأعراف " وختم به سورة التوبة ، وزاده وصف الحكمة ، وأشار بأداة البعد إلى أنّ رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال ، فقال : " تلك " . . . " آيات الكتاب " . . .
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 8 / 217